أنواع الكائنات

أوّلاً أذكّر أنّ كلمة كائنٍ قصدت بها أن تشمل أسماءً كجسمٍ و حزبٍ و كيانٍ و جماعة ‏‎…‎‏ الخ. وعدت من قبل أن أبحث عن بديلٍ لهذه الكائنات بعد أن انتقدها من وجوهٍ. و إن استعجلني البعض فأنا أفضّل التأنيّ في التعامل مع القضايا العامّة. و سأبني هذا البحث على الأساس التالي: ‏

‏«كثيراً ما يكون الأفضل أن نبحث أوّلاً عن الشيء أو الوضع المثاليّ، ثمّ نبحث بعد ذلك عن أفضل تقريبٍ له إن لم يكن يمكن الحصول عليه أو الوصول إليه.»‏

وعلى الرغم من أنّ البديل الذي أبحث عنه قد لا يكون كائناً مثاليّاً بل شيئاً آخر فاكتمال المعلومة يسهّل المقارنة بين الخيارات. فلنبدأ البحث عن الكائن المثاليّ بتصنيفٍ موجزٍ للكائنات. فمن حيث الأساس القائم عليه الكائن يمكن تقسيم الكائنات إلى نوعين (متداخلين):

  1. الكائنات المستقرة: و هي القائمة على فكرةٍ واضحةٍ و أهدافٍ محدّدةٍ، فيكون الولاء للفكرة قبل الولاء للكائن – هذا ما يفترض أن يكون. ويعتمد مدى التزام الشخص المنتمي للكائن بسياساته على مدى التزام الكائن بالفكرة والأهداف المنشأ لأجلها، ثمّ على مدى ثقة هذا الشخص في بقيّة أفراد الكائن. و الجديد في هذا النوع من الكائنات كالقديم فيه مادام ملتزماً بالفكرة القائدة. على هذا فإنّه لا يسند عملٌ ما لشخصٍ ما ثمّ يترك ليفعله كما شاء اعتماداً على الثقة فيه، و لذلك يقلّ احتمال وجود قطبيّة خارجيّةٍ لهذا النوع من الكائنات ‏‎–‎‏ما دامت الفكرة و المبادئ والأهداف واضحة.
  2. الكائنات المتشكّلة: الفكرة هنا في وجود كائنٍ وحسب – بعد ذلك يقرّر المؤسّسون و المنتمون أهدافاً و مبادئ و دستوراً و قوانين، و الولاء للكائن أوّلاً. ويعتمد مدى التزام المنتمي بسياسات الكائن على مقدار نزعة التعصّب و الولاء عنده، ثمّ على مدى ثقته في بقيّة الأفراد. يكون هنالك بالضرورة أشخاصٌ قدامى في الكائن يمكن أن نسميهم ’أسياد‘ هذا الكائن، و آخرين حديثين فيه يحتاجون لوقتٍ طويلٍ حتىّ يكون لهم الحقّ في نقد سياسة القدماء أو تقديم الاقتراحات (إلاّ من اجتهد!). ظاهر الأمر أنّ هؤلاء القدماء هم قطبيّة الكائن، لكن مادامت الفكرة غير مهمّةٍ في المقام الأوّل فمن السهل لقطبٍ خارجيٍّ زرع أفكاره في كائنٍ كهذا – وسيكون سهلاً بالضرورة في مراحل تكوّن الكائن.

أظنّ أنّك توافقني في أنّ النوع الأوّل أفضل من الثاني بشكل عام، على أنّ النوعين متداخلان: فبمجرّد تحقّق أهداف كائنٍ مستقرٍّ أو ثبوت استحالة تحقّقها يجب أن يحلّ هذا الكائن نفسه و إلاّ فإنّه سيتشكّل و يغيّر مبادئه و يعيد صياغته متحوّلاً بذلك إلى كائنٍ متشكّل (و من هنا جاءتني كلمة متشكّلة: تشكّل نفسها حسب الوضع). افرض مثلاً أنّ حزباً كان اسمه حزب تحرير السودان، و كان هدفه إخراج المستعمر من السودان. ماذا يفعل هذا الحزب بعد خروج المستعمر؟ عليه أن يحلّ نفسه بهدوءٍ. و ربّ قائلٍ إنّها خسارة كبيرة أنّ ينحلّ حزبٌ متماسكٌ كهذا، ثمّ يعمل على إيجاد فكرةٍ جديدةٍ تكون روحاً لهذا الحزب. لا أقول أنّ هذا الحزب سينهار بهذا الفكر الجديد أو أنّه سيخسر أمام الآخرين – مادامت له قاعدةٌ يستند عليها تثق فيه. كلّ ما أقوله أنّ هذا لا ينفع أﮪ.‏

وبنظرةٍ سريعةٍ في الواقع السياسيّ والاجتماعيّ في بلدنا هذا أقول إنّ جميع الكائنات الموجودة هنا تضرب لأن تكون متشكّلةً: ما رأيت كائناً لم يناقض نفسه – ما يسمّونه حكم الضرورة أو فقه المرحلة أو أسلوب السياسة، لكلّ تسميته. و مع هذا التناقض يظلّ المنتمون على ولائهم للكائن. و لا شكّ في أنّ نزعة التعصّب متوطّنة في نفوس الناس في بلدنا هذا، فكلّنا يعرف تعصّبه لهذه الكليّة أو لذاك الفريق أو لهذا الحزب أو لتلك الجماعة، ولو طولبت بتفصيل لفصّلت و لكنيّ لا أجد داعياً لذلك.‏

يمكن أيضاً تصنيف الكائنات من عدّة وجوهٍ أخرى: من حيث العضويّة إلى كائناتٍ متماسكةٍ (محدّدة الأعضاء) و كائناتٍ ’هلاميّة‘ (مفتوحة العضويّة بشكلٍ أو آخر)، من حيث نوع القضايا التي تهمّ الكائن، ومن غير ذلك من الوجوه، وفي كلّ تصنيفٍ يمكن تفصيل مزايا و عيوب كلّ نوع، فإذا اجتمعت لدينا كلّ هذه التصانيف بمزاياها و عيوبها فسيكون من السهل بعد ذلك معرفة الكائن المثاليّ و معرفة التقريب الأمثل له.

هذا كلامٌ موجزٌ عن أنواع الكائنات، فأمّا ما أتمناه الآن فهو أن أسمع ردّاً على هذا الكلام و ما سبقه، سواءً أ وافقني أو عارضني، و أمّا ما أنا عازمٌ عليه الآن إن شاء الله فهو تقديم فكرةٍ مبدئيّةٍ عن شكل الكائن المثاليّ، والله الموفّق.

This entry was posted in Arabic, رؤى جديدة and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *