نشرت في العام الدراسيّ الماضي سلسلة مقالاتٍ سمّيتها ’رؤى جديدة‘، و لم أذكر هدفي منها صراحةً ظنّاً أنّه مفهومٌ ضمناً من محتواها. لكن تبيّن لي أن أتحرّى الوضوح. و لو أنّ كلّ قائلٍ أو فاعلٍ أو كاتبٍ وضّح للناس مقدَّماً مقصده من قوله أو فعله أو كتاباته لربّما أراحهم كثيراً .. فلنبدأ بسم الله:
«هدفي الأساسيّ من ’رؤى جديدة‘ هو تحسين العنصر البشري في هذا البلد؛» بمعنى أن نتحوّل من متلقّين للفكر و العلم و الحضارة و المستهلَكات المادّيّة إلى منتجين لها، و لا أقول مصدّرين في هذا الوقت. هذه هي النقطة الأهم، و هي بالذات التي غفل عنها أو أسقطها كثيرٌ من دعاة الإصلاح المعاصرين – إن لم يكونوا جميعهم: كلّ دعواهم هي اللّحاق بركب التقّدم أو مواكبة الشعوب المتحضّرة أو استعادة أمجاد الماضي (المزعومة؟!) … الخ.
أعلم تماماً أنّ هذا النصّ الجريء قد يَعْرِضني لكثيرٍ من الكلام، و ربّ قائلٍ: ”من يظنّ نفسه حتىّ يصلحنا؟“! له قوله و لي ظنيّ و للقارئ رأيه. و بهذه المناسبة فإنّني أرجو أن لا أكون محتاجاً إلى أن أدفع عن نفسي شبهة الغرور أو غيرها بين كلّ عبارة و التالية: لا أريد أن أخسر أحد زملائي، فمن كان سيتّهمني بالغرور أو ’عدم الموضوع‘ أو غير ذلك فأرجو منه أن لا يقرأ بقيّة هذه الورقة أو ما قد يليها. نعود للنصّ.
التساؤل المنطقّيّ هنا هو: ”هل تستطيع سلسلة مقالاتٍ تحقيق غايةٍ كهذه؟“ نظريّاً نعم، إذا وجد الكاتب المناسب للقُرّاء المناسبين. قد لا أكون الكاتب المناسب، و قد لا تكون أنت القارئ المناسب، و لكنّ هذا هو المتيسّر بالنسبة لي الآن. و لكي أكون واقعيّاً فإنّني أُلفِت النظر إلى أن النصّ المتقدّم لم يقل أن هذه المقالات ستحقّق هدفها؛ كلّ المقصود هو أنهّا موجّهة في اتّجاه هذا الهدف.
ربّما كانت الخطوط العريضة لتحقيق هذه الغاية هي وضع عددٍ من المبادئ، إيجاد أوساطٍ فكريّةٍ لعرض هذه المبادئ، و إعداد أشخاصٍ مستقلّين فكريّاً لهذه الأوساط. و الشخص المستقلّ فكريّاً هو المؤهلّ للتعامل مع الأوساط الفكريّة، و يمكن تعريفه كما يلي: «الشخص المستقلّ فكريّاً هو الذي لا تستطيع التنبّؤ بردّ فعله تجاه موقفٍ معيّنٍ إلاّ بناءً على تصريح منه هو بالقول أو الفعل.» فهو إذن لا يمكن قيادته (بسهولة). أرجو أن تتأكّد من استيعابك الكامل لمعنى هذه العبارة.
ما هو مدلول ما تقدّم؟ يترتّب على هذا الكلام أن نغيّر نظرتنا لكثيرٍ من الأشياء. مثلاً لن يفكّر الشخص المُصلِح بالطريقة التقليديّة (العمياء) في أنّ مشكلة السودانيّين هي تفشّي الجهل و يعدّ خطّةً موسّعةً لنشر التعليم، بل سيعمل على جعل الناس مستقلّين فكريّاً و تنتهي مهمّته عند هذا الحدّ فيتركهم ليقرّروا هم إن كانوا بحاجةٍ للتعليم أم لا، و نوع التعليم الذي يحتاجونه: «لست مسئولاًعن حلّ مشاكل الناس؛ حاول بدلاً من ذلك أن تعلّمهم كيف يحلّون مشاكلهم.» كذلك قد يكفّ الناس عن الحديث عمّن سيحكم و كيف يصل إلى الحكم، و يلتفتون إلى الحديث عن بناء هيكلٍ اجتماعيٍّ و إداريٍّ و فكريٍّ (و هو الأهمّ) متماسكٍ يؤثّر في نظام الحكم و لا يتأثّر به.
ربّ قائلٍ أن هذا الكلام نظريٌّ لا يمكن أن ينزل للواقع. إن كنت تشكّ في قدرة الشعارات و العبارات على تغيير حياة الناس فلتذكر أنّ الإسلام قائمٌ في أساسه على الشهادة ”لا إله إلاّ الله محمّدٌ رسول الله.“ و لو قلت أنّ الشهادة استمدّت قوّتها من أنّها موحاة من عند الله عزّ و جلّ فلتذكر أيضاً ما صنعته عباراتٍ مثل ”لا مستحيل تحت الشمس،“ و ”دعه يمرّ، دعه يعمل،“ و ”يعمل كلٌّ حسب طاقته، و يأخذ كلٌّ حسب حاجته،“ أو كما نصّت هذه العبارات المشهورة. المهمّ هو أن يستوعب الناس الشعار الذي يرفعونه، بكلّ أبعاده، و يعملوا به.
ختاماً أريد أن أشير إلى أمرين: الأوّل هو أنّ كلّ رأيٍ كتبته سابقاً أو لاحقاً (إن شاء الله) قابلٌ بالنسبة لي للنقاش و التغيير، و الثاني هو أنّه طالما كانت الفكرة غريبةً فلن يكون غريباً أن تقرأ في ما قد يلي كلاماً قد يبدو غريباً للوهلة الأولى.