إذا كانت لديك فكرةٌ تحملها و لكنّك لست من سينفّذها فإنّك تحتاج لأن تنقل الفكرة منك إلى غيرك؛ و ’التأثير‘ أقصد به هنا نقل الفكرة إلى من سينفّذها، و ’الفكرة‘ هنا لا أقصد بها ’الفكر‘ و إنما أقصد بها أيّ اقتراحٍ لعمل يقوم به الناس: ’فكرة‘ بالمعنى العامّيّ المعروف. توجد طرقٌ كثيرةٌ للتأثير، لكن يمكن أن نضع هذه الطرق في قسمين كبيرين:
- تأثيرٌ بالأمر و النهي و التوجيه: نعني به كلّ طرق التأثير التي تعتمد على وضعيّة حامل الفكرة و تترتّب على تنفيذها ’غرامةٌ‘ تقع مباشرةً على (غير) المنفّذين، من عقابٍ أو تأنيب ضميرٍ أو غيره. هذه هي الطرق التي يستخدمها عادةً الوالدين و الأساتذة و الحكّام.
- تأثيرٌ بالإقناع و التحريض: و هي الطرق التي لا يكون فيها لحامل الفكرة أيّ سلطانٍ على من يرجى منه تنفيذها، فلا يقبلون الفكرة إلاّ بكامل اختيارهم. هذه هي الطرق التي يستخدمها عادةً الأئمة و العلماء و الدعاة و الأصدقاء.
أسلوب التأثير بالأمر سريع النتائج، و لهذا يحبّذه الكثيرون: تجدهم يسعون جاهدّين ليصلوا إلى مقاعد الحكم – أو الوضعيّة التي يصدرون منها الأوامر أيّا كانت. و مع الأسف أصبحت هذه الطريقة محبّبةً للمفكّرين، فإن كانوا بعيدين عن مقاعد الحكم سعوا إليها بالقوّة العسكريّة أو بالتقرّب إلى الحكّام، و إن كانوا وسط جماعةٍ كرّسوا كلّ جهدهم لاستقطاب رأي الأغلبيّة، إلى غير ذلك مما يفعلون. و لتتأكّد من أنّني لا أخص بكلامي أشخاصاً بأعينهم، إذ أصبح هذا هو الحال الغالب.
مادام سريع النتائج فما هو عيب التأثير بالأمر؟ يعاني التأثير بالأمر من عيبين كبيرين:
- كثيراً ما يتعارض مع مبدأ الميزانيّة: قد تنتظر كثيراً حتىّ تجد الوضعيّة التي تريدها؛ و قد تحتاج لبذل الكثير حتىّ تصل إليها؛ سيضيع كلّ هذا و أنت لا زلت محتفظاً بالفكرة لنفسك؛ و قد لا تصل أبداً إلى الوضعيّة التي تريد؛ و قد لا تتمكّن من تنفيذ الفكرة حتىّ بعد أن تصل إلى تلك الوضعيّة، لأيّ سببٍ؛ و قد تكون الفائدة من تنفيذ الفكرة أقلّ مما بذلته من جهدٍ و وقتٍ لتصل إلى هناك. و لعل هذه الفقرة قد صارت الآن مهيّأةً لتستضيف العبارة التالية «أشرك الناس أفكارك، فقد لا تتاح لك فرصةٌ لتنفّذها بنفسك.»
- الأفكار التي تنتقل بالأمر كثيراً ما تصل مشوّهةً لدرجةٍ قد تفسد الفكرة أحياناً، و هناك أفكار لا تصلح لأن تنقل بالأوامر أصلاً.
بالنسبة للتأثير بالإقناع فإنّ حامل الفكرة يخاطب المنفّذين محاولاً إقناعهم بالفكرة، و لهم الخيار في قبولها أو رفضها – لا يُضيِّق خيارهم إلاّ جودة الخطاب. فإذا كان الخطاب مباشراً بالكلام فإنّ البلاغة تخدم الفكرة كثيراً، و إن كان بالكتابة، كحال هذه الورقة و أخواتها، فإنّ الإخراج الجيّد و تجنّب الأخطاء اللّغويّة و اختيار المكان المناسب للنشر … الخ سيضاف إلى استعداد الناس لقبول الفكرة. و ربّ قائلٍ أنّه ينبغي أن تجرّد الفكرة من كلّ الظروف لينظر إليها بحيادٍ؟! هذا هو مطلبي الذهبي، و لكنّه ليس حاصلاً و لن يحصل أبداً (و الله أعلم)، لذلك اكتفي بالمطالبة بتجريد الفكرة من شخصيّة حاملها. و الجميع يعرفون الفرق بين الدراسة في قاعةٍ حارّةٍ و الدراسة في قاعةٍ مكيّفةٍ، و كذلك نعرف الفرق بين الأستاذ الذي يجيد الشرح و الذي لا يجيده. فلو أجاد الأستاذ الشرح أو لم يجده قد لا يختلف حكمك على صحّة معلوماته؛ ما يختلف هو أنّ الأخير قد يحتاج لأن يعيد الكلام مرّتين أو ثلاثاً قبل أن تفهمه. أقول: «تجريد الأفكار من شخصيّة صاحبها يعني الحكم بحيادٍ على الفكرة دون اعتبار لصاحبها، و لكنّه بالضرورة لا يضمن أنّ الأشخاص المختلفين سيتمكّنون من عرض أفكارهم بنفس الوضوح.»
بعد هذا التقديم الطويل أريد أن ألفت النظر إلى أسلوبٍ من أساليب التأثير بالتحريض أؤمن بكفاءته في مجتمعنا، و هو التأثير بالتمثيل. و التمثيل أعني به عرض الفكرة حيّةً أمام من يراد منه تنفيذها: ’بيان بالعمل‘ كما تقول العساكر. لقد لاحظت أنّ البيان بالعمل أسرع و أفعل في نقل الأفكار من مجرّد الخطاب كلاماً أو كتابةً. أنظر مثلاً إلى العبارات التي يستخدمها الناس كثيراً في هذه الكلّيّة مثل ”ما بتقدر تعرف“ و ”وللا شنو“ و ”جاوس“: استخدمها واحدٌ ثمّ انتقلت إلى من حوله ثمّ انتشرت بعد ذلك سريعاً حتىّ أصبح يستخدمها كلّ الناس في الكافتريا – باستثناء القليلين الذين تغيظهم هذه العبارات. و الظاهر أنّ الناس في السودان يتأثّرون سريعاً بما يسمعونه في الراديو أو يرونه في التلفزيون أو يقرأونه في الجرائد، و يقتبسون كثيراً من العبارات من الأغاني، و تتأثّر لغتهم بالمدارس … الخ. و يمكن استخدام أيٍّ من هذه الوسائل كقناةٍ للتأثير بالتمثيل، أو بالإقناع عموماً. و قد جرّبت قبل يومين فقط أن كنت راكباً مع بعض الزملاء في مركبة عامّة، و كنّا ننظر إلى شيءٍ معيّنٍ في الشارع: لاحظت في الحال أنّ بقيّة الركّاب وجّهوا أنظارهم إلى حيث ننظر. و لو جرّبت أن تجري في الشارع لوجدت من يجري خلفك!! أعلم أنّ هذه الأمثلة قد تبدو مستفزّة و تغيظ البعض، لذلك أعيد – بصياغةٍ جديدةٍ – ما أردّده كثيرا: «أنا لا أمانع أن يكرهني أحدٌ بسبب آرائي، و لكنّني لا أقبل أن يكره آرائي بسببي.»
ما هي مزايا التأثير بالتمثيل فضلاً عن كفاءته في هذا البلد؟ يمتاز بالآتي:
- البيان بالعمل يضمن أن تصل الفكرة خاليةً من التشويه كأوضح ما يمكن.
- تنفيذ حامل الفكرة لفكرته يعطيه فرصةً لاختبارها فيعرف عيوبها و يحسّنها.
- ما دامت الفكرة جيّدةً فإنّ حاملها سيستفيد شخصيّاً من تنفيذها، و إلاّ فالأفضل ألاّ ينقلها للناس.
- إذا رأى الناس صاحب الفكرة يعمل بها فإنّ ثقتهم فيها تزداد.
ختاماً أقول:
التأثير بالإقناع يمتاز على التأثير بالأمر بأنّه ينقل مسئوليّة الفشل من حامل الفكرة إلى منفّذيها، لأنّه لم يجبرهم على تنفيذها، و التأثير بالتمثيل يمتاز فضلاً عن ذلك بأنه ينقل مسئوليّة الفشل من الفكرة إلى منفّذيها، لأنهّم رأوها تنفّذ ناجحةً أمامهم.