الجمعيّات: بعض التفاصيل

* شرعيّة الجمعيّات: لمّا كان الحديث عن الشرعيّة أحد مداخل الفشل و الملل في العمل العامّ فلا بدّ أن نقف عنده. نشاط الجمعيّات في أصله نشاطٌ اختياريٌّ لا يُلزم إلاّ من التزم. لهذا السبب تكتسب الجمعيّات شرعيّتها من قبول و مباركة الرأي العامّ. مثلاً لن تتحدّث جمعيّةٌ ما باسم الطلاّب ما لم تكن واثقةً من قبولهم لذلك، و إلاّ فإنّها تفتح على نفسها باباً للنقد و الهجوم قد يفقدها شعبيّتها و ثقة الناس فيها التي هي أساس قوّتها. كذلك لن تغلط جمعيّةٌ ما غلطةً كهذه في وجود جمعيّاتٍ منافسةٍ لها. و مادمنا تحدّثنا عن شرعيّة الجمعيّات فلننتقل مباشرةً إلى هذه النقطة:

* ضبط نشاط الجمعيّات‏: مع ازدياد عدد الجمعيّات فإنّ الجمعيّات ذات المصالح المشتركة قد تميل إلى التحالف و التكتّل في أجسامٍ تدافع عنها أوّلاً ضدّ الأخطاء و الأهواء ثمّ ثانياً ضدّ الأخطار الأخرى مثل تسلّل السياسة و غيره. كذلك تخدم هذه الأجسام في تحقيق المصالح التي تحتاج إلى دعمٍ عدديٍّ كبيرٍ. الشيء المهمّ عند تكوين هذه الأحلاف هو وضع دستورٍ واضحٍ للحلف؛ و من ضمن ما يكتب صراحةً في هذا الدستور وضع الجمعيّة التي لا تلتزم بأحد بنوده. و قد يظهر كذلك مجلس أعلى لضبط و تنظيم نشاط الجمعيّات و حماية حقوقها الأدبيّة … الخ. و كلّ جمعيّةٍ تخرج على هذا المجلس تفقد حقّها في الامتيازات التي يقدّمها.

* الحصيلة السنويّة‏: تقوم كلّ جمعيّةٍ بكتابة ما خرجت به خلال العامّ في شكل تقريرٍ مفصّلٍ، كتابٍ، أو غير ذلك حسب نشاط الجمعيّة. و توضع نسخةٌ من الحصيلة السنويّة في مكانٍ يستطيع أن يصل إليه من يمكن أن يستفيد منها حاليّاً أو في الأجيال القادمة. و بينما تكون الحصيلة السنويّة محدودة الفائدة عند بعض الجمعيّات فإنّها قد تكون ذات أهمّيّةٍ بالغةٍ عند جمعيّاتٍ أخرى، خصوصاً تلك التي تكون دراسة أحد جوانب المجتمع جزءً من نشاطها.

* المذكّرات و التقارير الموقوفة‏: أحيانا تنتهي الجمعيّة عن نشر شيءٍ ما لسببٍ أو آخر: الوضع السياسيّ، الوضع الاجتماعيّ، الخوف من سوء الفهم … الخ. في هذه الأحوال قد يكون من المفيد كتابة هذه الأشياء تماماً كما لو كانت ستنشر ثمّ الاحتفاظ بها مع تاريخ كتابتها ضمن وثائق الجمعيّة، و قد يفيد كذلك تضمين سبب الانتهاء عن النشر.مثل هذه الوثائق قد تصبح ذات أهميّةٍ كبيرةٍ في المستقبل؛ على الأقلّ سيستفيد منها من يريد أن يؤرّخ لتلك الفترة. و قد تلاحظ قفزةً في ترقيم إصدارات جمعيّةٍ ما (رقم العدد) دلالةً على أنّ أحد الأعداد قد صُرف النظر عن نشره.

* مسئوليّة النشر‏: لا نقصد بالمسئوليّة هنا المسئوليّة أمام المحاسبة السياسيّة أو الإداريّة و إنّما نقصد بها المسئوليّة الأدبيّة عن ما تنشره الجمعيّة. مبدئيّاً يمكن أن نقول: «الجمعيّة مسئولةٌ عن كلّ ما تنشره ما لم تنسب مسئوليّته صراحةً إلى جهةٍ أخرى.»‏

* الجمعيّات و التنظيمات السياسيّة‏: نعاني كثيراً من تدخّل السياسيّين في الأشياء و إفسادها. نموذج الجمعيّات الذي لدينا قد يكون سليماً من ’تغويص‘ الكوادر السياسيّة لأنّ كلّ جمعيّةٍ تقوم على توافق تامّ بين أعضائها، و عضويّتها مقفولةٌ. غير أنّ خطورة السياسة قد تأتي من أن يتبنّى أحد التنظيمات الفكرة و يخرجها بشكلٍ سيئ. على كلٍّ فهذا مستبعدٌ لأنّ هذه التنظيمات تترفّع عادةً عن الأخذ بفكرةٍ شخص مفردٍ من خارجها، لكن حتّى لو حدث هذا فإنّ نموذج الجمعيّات قائمٌ على المنافسة و لا سبيل فيه للاحتكار إلاّ بالتفوّق. فإن قدّم أحد التنظيمات جمعيّاتٍ استطاعت أن تقدّم الأفضل فهي جديرةٌ بالبقاء لا يعيبها انتماؤها، و إن فشلت في تقديم الجيّد فمصيرها الفناء و لن يشفع لها تنظيمها. جديرٌ بالقول أنّ احتكار الأسماء واردٌ إن بادرت به التنظيمات. أقول: و ستجد جمعيّةٌ ما قدراً من الخبرة و الإثارة و هي تتنافس مع حزبٍ سياسيٍّ أو تنظيمٍ ضخمٍ.

This entry was posted in Arabic, رؤى جديدة and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *