يحدث أحياناً أن تجد الناس يريدون أن يغيّروا وضعاً معيّناً (لاستيائهم منه أو بتحريضٍ من أحدٍ أو لأيّ سببٍ آخر)، و لا يمنعهم إلاّ أنّهم لا يدرون ما يصنعون لتغييره: يملكون الروح و لكن لا يملكون الأفكار و لا يعرفون الطريق. ربّما كان هذا هو الواقع الآن في هذه الكلّيّة؛ على الأقلّ هذا ما أشعر به، و هو كذلك ما أعلنه صراحةً أحد الزملاء قبل أيّامٍ في لقاءٍ جامع بين أساتذة و طلاب القسم الذي أدرس فيه. كخطوةٍ في طريق الحلّ أقدّم هذا النموذج الابتدائيّ لجمعيّاتٍ تمهّد الطريق لإصلاح الواقع في هذه الكلّيّة، و قد حاولت أن أخرج هذا النموذج بصياغةٍ تصلح مع بعض التعديل لأن تكون دستوراً لإحدى هذه الجمعيّات:
(1) الاسم و الهدف
(1.1) تسمّى الجمعيّة بأيّ اسمٍ يُتّفق عليه.
و بالمناسبة فإنّه لا ضرورة للاسم في بعض الأحيان كما سيتّضح لك من نوعيّة نشاط هذه الجمعيّات.
(1.2) تهدف الجمعيّة إلى إثراء النشاط في كلّيّة الهندسة و العمارة بطرح أفكارٍ لنشاطاتٍ ينفّذها الناس، و بتمهيد الطريق لمثل هذه النشاطات؛ كما تهدف إلى صياغة أعرافٍ و ضوابط للنشـــاط في الكلّيّة المعنيّة.
هذه النقطة قد تحتاج لبعض التفصيل:
هنالك مئات الأفكار التي يمكن أن تأتي من مثل هذه الجمعيّات. و فكرة المنتدى الشعري و المحاضرات الثقافيّة العامّة و أسبوع المهندس العاشر و غيرها كلّها أفكارٌ أتت من البعض و نفّذها معهم الآخرون – حتىّ مجرّد حضورهم يعتبر اشتراكاً في تنفيذ الفكرة لا يمكن الاستغناء عنه. أغلب الأفكار من هذا النوع يمكن أن تنقل بالخطاب المباشر، لذلك تحتاج الجمعيّة لقناة اتّصال ذات اتّجاهين مع الناس: تتبنىّ إصدارة مثلاً لإيصال أفكارها للناس، و تبتدع وسائل لمعرفة رأي الناس.
بالنسبة لتمهيد الطريق للنشاطات أيضاً يوجد الكثير الذي يمكن عمله، كجمع التبرّعات و تيسير الاتّصالات و إجراء الاستبيانات و الاستطلاعات و تجهيز لوحات الإعلانات … الخ. هذا هو الجانب الذي يؤدّيه أعضاء الجمعيّة بأنفسهم، و لا حاجة بهم لنقله للآخرين.
بالنسبة لصياغة الأعراف و الضوابط فهي مجالٌ للمنافسة بين الجمعيّات، و غالباً يكون نقل هذه الأعراف بالتمثيل. يتضمّن هذا الباب أشياء مثل أدب تعليق الملصقات: «لا تلصق الورق على الحائط؛ على الأقلّ مادام هنالك لوحة إعلاناتٍ.» و فنّيّات إخراج الأوراق المطبوعة، أدب التخاطب مع الناس، أدبيّات الأداء الأكاديمي، أدبيّات التشجيع في كرة القدم!! و غيرها من الأمثلة التي لم تحضرني الآن؛ كما يتضمّن إدخال أدب تسجيل الوقائع و التاريخ الاجتماعيّ و الثقافيّ للكلّيّة. و كلّ هذا سيكون مكتوباً بوضوح لدى الجمعيّة متيسّراً لمن يريده.
(2) العضويّة
(2.1) عضويّة الجمعيّة تكون مقفولةً على المؤسّسين؛ و لا تمنح العضويّة لأحد إلاّ بموافقة جميع الأعضاء.
(2.2) يتراوح عدد الأعضاء بين شخص واحدٍ و أكبر عددٍ يمكنه التفاكر و التعاون و تبادل الثقة بدون الحاجة لهيكلةٍ داخليّةٍ.
هذان البندان أيضاً يحتاجان لتوضيح:
المطلوب أن تعمل الجمعيّة بالكفاءة القصوى، لذلك نريد استبعاد أيّة عوائق من شاكلة وجود تنافرٍ بين اثنين من الأعضاء و التعطّل بسبب التسلسل الهرمي. و سواءٌ وُجد أحدٌ داخل إحدى هذه الجمعيّات أو لم يوجد لا يمنعه مانعٌ من التعاون مع هذه الجمعيّة – مادامت الغاية واحدةً: في النهاية شعار مثل هذه الجمعيّات يمكن أن يكون: «عملي ملكي، و لكنّ أفكاري ملك الجميع.»
(3) رئيس الجمعية
(3.1) يختار الأعضاء بالتراضي رئيساً لهم لأجل حفظ النظام.
(3.2) فيما عدا تنظيم النقاش و العملِ داخل الجمعيّة لا يملك الرئيس أيّة امتيازاتٍ على باقي الأعضاء.
(4) موارد الجمعيّة
(4.1) تموّل الجمعيّة نشاطاتها بمبدأ: «مادام عندي المال الكافي فلا يهمّني كم يملك الآخرين.»
(4.2) تقبل الجمعيّة أيّ تمويلٍ خارجيٍّ غير مشروطٍ.
(4.3) التصرّف في التمويل الخارجيٍّ يكون على الثقة بين الأعضاء.
التمويل غير المشروط هو ذاك الذي لا يترتّب عليه أيّ مَغْرَمٍ على الجمعيّة: لا مقابلٌ ماديٌّ ظاهرٌ، لا دعايةٌ للمموّل، و لا أيّ شيءٍ من هذا القبيل. و التمويل الخارجيّ يتضمّن الـ’share‘ التقليديّ الذي يعرفه الناس ههنا، بشرط ألاّ يتدخّل دافعه في عمل الجمعيّة مثلاً. جديرٌ بالقول أنّ هذين الموردين كافيان تماماً لمثل هذه الجمعيّات. لماذا؟ سأجيب على هذا السؤال بالتفصيل حين أتحدّث (إن شاء الله) عن ’شماعة الإمكانيّات‘ التي يعلّق الناس عليها فشلهم كثيراً.
(5) مهامّ الجمعيّة
(5.1) المهامّ الأساسيّة للجمعيّة، مثل إخراج إصدارة الجمعيّة و كتابة سجلاّت نشاط الجمعيّة و سجلاّت تاريخ الكلّيّة، يتحمّلها جميع الأعضاء.
(5.2) المهامّ الأخرى، مثل إجراء استبيان ما أو تنفيذ فكرةٍ ما، يتحمّلها صاحب الفكرة و من اقتنع بها.
(5.3) لا يحمل أيٌّ من نشاطات الجمعيّة اسمها إلاّ بموافقة جميع الأعضاء.
هذا هو النموذج الأوّليّ للجمعيّات التي لم أستطع أن أجد لها اسماً جامعاً مناسباً، و هو قابلٌ للتحسين و التطوير، منّي أو من غيري. بقي أن أعلّق على شيءٍ، و هو أنّ بعض الناس تنفّرهم الرسميّات و الكلمات من أمثال ’دستورٍ‘ و ’سجلاّتٍ‘ و غيرها، رغم إنهم يمارسون كثيراً مما اقتُرح لهذه الجمعيّات بصورةٍ تلقائيّةٍ. أقول: «لو أنّ الشخص نظر بعينه لا بأذنه لوجد كثيراً ممّا ظنّه معقّداً هو في الواقع أمرٌ بسيطٌ للغاية.»