ما هو الفرق بين التعليم العالي و التعليم العامّ؟ هل الفكرة في أنّ الموادّ أصعب؟ في التخصّص؟ أسئلةٌ كهذه كثيراً ما داخلت أذهاننا في مراحل التعليم العامّ: ما سرّ هذا التقسيم: ابتدائي، عامّ، عالي، ثمّ جامعة! لم يكن الوصول إلى إجابةٍ يحرّقنا كثيراً، إذ كنّا نثق في أنّ لديهم مقصداً من كلّ هذا (اتّضح أنّ المقصد في رأي كلّ واحدٍ من أهل الاختصاص يختلف عنه في رأي الآخر، و ما كلّ هذه التغييرات في السلّم التعليميّ إلاّ شاهدٌ على ذلك. لكن ليس هذا محلّ حديثنا الآن).
الآن صارت الإجابة على هذا السؤال مطلباً ذهبيّاً، إذ مهما ضربت ظهورنا في مراحل التعليم العامّ ما راودتنا فكرة ترك الدراسة كما كان في هذه الجامعة: كان يحدونا الأمل و الآن يحدونا الفشل و الملل. ”هذا كلام شخصيّ لا يصلح للتعميم.“ اعتراضٌ مقبولٌ، لكنّ هنالك سببٌ آخر أهمّ و أكثر موضوعيّة، و هو أنّ سنين التعليم العامّ تقع في عمر التلقّي بالنسبة للشخص، أمّا سنين التعليم العالي فمقتطعةٌ من (أهمّ) سنوات الإنتاج من عمر الشابّ، و لذلك لابدّ من وجود ميزةٍ كبيرةٍ في الجامعة في مقابل ذلك. ظننت أنّني أعرف هذه الميزة، و ظننت أنّها تستحقّ أكثر من ذلك (اقرأ ما يلي و احكم بنفسك)، و ظننت كذلك أنّها غير موجودةٍ في هذا المكان الذي ندرس فيه (ما رأيك أنت؟). و ظننت فوق كلّ هذا أنّني بهذا السؤال أمسكت بعصب المشكلة، إذ أنّ التباين الكبير في إجابات الناس على هذا السؤال كان هو مصدر تباين كثيرٍ من أفكارهم، و هو نفسه الذي جعل بعض الناس ينظر إلى رسالتي للبرالمة المنشورة مؤخّراً على أنّها ردّ فعلٍ لإحباطٍ عرضيٍ أو شيءٌ مشابهٌ (و أنا أعتذر للجميع). لهذا السبب ظننت أنّ هذه الورقة المعلّقة أمامك من أهمّ ما نشرت، فهل أنت مستعدٌّ لتقرأ إجابتي على هذا السؤال؟ بسم الله:
السمة المميّزة للتعليم العالي هي التربية الأكاديميّة (بعث الـ’روح‘ الأكاديميّة) و التربية المدنيّة (بعث الروح المدنيّة). هذه هي فكرتي عن الجامعة، و فيما عدا ذلك فهي لا تستحقّ هذه السنوات الغالية، إذ كان الأجدر بك أن تدرس بالانتساب أو تقرأ في معهدٍ حرفيٍ، أو أن تنسى الأمر كليّةً؛ أمّا عن الشهادة فقد تعلّمت أنّ المفاهيم الاجتماعيّة هنا ليست ذلك الشيء المريع الذي لا يستطيع أحدٌ الوقوف في وجهه! و الروح الأكاديميّة و المدنيّة يصعب وصفهما و لكن يدرك معناهما من أحسّ بوجودهما، و من هنا جاء اختيار كلمة ’روح‘. و الشخص ذو الروح الأكاديميّة و المدنيّة يتّصف بصفاتٍ كثيرةٍ نذكر بعضاً منها:
* المنهجيّة (و نقيضها الارتجاليّة): يتعامل الشخص الأكاديميّ مع كلّ مسائل الحياة بصورةٍ علميّةٍ و مخطّطةٍ في خطواتٍ واضحةٍ. و يقابل المنهجيّة عند الشخص المدنيّ صفة الموضوعيّة المعروفة لدى الناس، فالشخص المنهجيّ يخطّط الأمور بأسلوبٍ أكاديميٍّ، و الشخص الموضوعيّ يستطيع أن يستوعب ذلك. قد يبدو لك هذا الكلام كقول أحدهم:
كأنّنا و الماء من حولنا قومٌ جلوسٌ حولهم ماء!
و السبب في ذلك هو افتقاري – و ربما افتقار الجميع – لمفرداتٍ دقيقةٍ تصف هذه المعاني المحسوسة. أنا أحسّ بمعنى ما أقول، و أعتمد على إحساس القارئ به إن خذلني التعبير. أﮪ.
* روح البحث: لا يقنع الشخص الأكاديميّ بشيءٍ لم يفهمه بل يسعى للإحاطة به، و ليس لديه خطوطٌ حمراء أو ثوابت لا يجوز أن تناقش أوجدها له المجتمع. قد يضع هو ثوابت مبدئيّةً أو خطوطاً حمراء للأشياء التي لا ينوي مناقشتها في الوقت الراهن. من هنا قد تجد أنّ فكرة حفظ المعادلات و النظريّات هكذا كما هي ليست فكرةً مرفوضةً جملةً، و لكنّها غير محبّذةٍ. و الجدير بالقول أنّ روح البحث أصيلةٌ عند الشخص الأكاديميّ، فهو لا يحتاج إلى تكليف ليبحث. بالمناسبة، لا أظنّه فات عليك ظهور كلمة روحٍ من جديد: روحٌ داخل روحٍ! و لو كانت خلفيّاتك في برمجة الحاسب جيّدةً لربّما وجدت في مفهوم الكائنات Objects تقريباً جيّداً للفكرة.
* روح المسئوليّة: لعلّه واضحٌ بالنسبة لك معنى روح المسئوليّة، و لعلّه واضحٌ بالنسبة لك أنّ الجامعة بشكلها الحاليّ قتلت فينا هذه الصفة فضلاً عن أن تنمّيها.
* وضوح الرؤية: الشخص الأكاديميّ يرى بوضوح المكان الذي يقف فيه و الهدف الذي يقصده و المسار الذي سيتبعه في كلّ مسألةٍ أمامه (و هو يتعامل مع الحياة كسلسلةٍ من المسائل). و الشخص المدنيّ يعرف أهدافه و رسالته في الحياة (يرى مستقبله!)، و يملك الحسّ الجيّد الذي يصحّح به مساره نحو هذه الأهداف. و مما يجدر بالذكر أن وضوح الأهداف مقتلٌ بالنسبة للعقل الأكاديميّ (و يبدو أنّنا أصبنا فيه)، لأنّه لا يمكنه التوقّف عن التفكير، فإذا لم يتّضح الهدف دخل العقل في متاهاتٍ لا نهائيّة من التفكير قد تؤدّي في النهاية إلى احتراقه؛ هذا ما انتهى إليه الكثيرون.
* الإحاطة بمجال الاختصاص: التربية الأكاديميّة تقدّم للطالب من خلال مثالٍ محدّدٍ نسمّيه مجال الاختصاص. و غالبا ما يكون مجال الاختصاص مجالاً عمليّاً يحدّد مجال عمل الطالب في المستقبل (كما في حالة كلّيّة الهندسة)، غير أن مجال الاختصاص يمكن أن يكون مجالاً نظريّاً. و من هنا قد تلاحظ أنّ خرّيج الجامعة ينبغي أن يجد مكاناً في الحياة المدنيّة حتّى لو لم يتخصّص في مجالٍ عمليٍّ، لذلك قرنّا التربية الأكاديميّة بالتربية المدنيّة في بداية حديثنا. و من السخيف (في رأيي) أن تسمع عبارات مثل: ”دي حاجات ما مفروض تعرفها إنت دا شغل الفنّي (الممرّض)!“ خاصّة و أنّ هذه الأشياء كثيراً ما تكون يسيرة التعلّم – إذا استثنينا هذا الغرور الزائف. و إنّ من المخجل أن تجد خريج الهندسة الكهربائية (على سبيل المثال) لا يعرف كيف يستخدم الكاوية! على كلّ فأنت الآن ترى أنّ الإحاطة بمجال الاختصاص صفةٌ ينبغي أن يتّفق فيها الأكاديميّ و غير الأكاديميّ، و الاختلاف يكون في الصفة التالية.
* الـ’إحساس‘ بمجال الاختصاص: ها نحن ندخل من جديدٍ أحد تلك المفاهيم التي يصعب شرحها بالكلمات و إنّما يحسّ بمعناها الشخص، لكن فلنقل: كلمة ’إحساس‘ كما نستخدمها هنا تصف ما يشبه شعور الشخص و هو في ’وطنه‘ أو يتحدّث لغته الأمّ. إذن فالشخص الأكاديميّ يعيش مجال اختصاصه و ’يتحدّثه‘ و يحبّه و يشعر بالإلف الشديد فيه. و بعد، هل تحسّ بمجال اختصاصك؟ هذا هو أحد مآخذنا على هذه الجامعة (الكلّيّة).
الآن أراك طال وقوفك أما البورد و بدأت تشعر بالملل، لذلك أستأذنك في أن نقف هنا و نعود لنكمل في الأيّام المقبلة إن شاء الله.