(السرّ الغائب (تابع

بدأنا في المرّة الماضية في سرد بعض صفات الشخص الأكاديميّ و الشخص المدنيّ، و الآن نواصل هذا السرد. لكن قبل ذلك نريد أن نشير إلى فائدتين لسرد هذه الصفات في مقابل الملل الذي قد يجده القارئ في قراءتها:

  • لا أعرف حتىّ الآن طريقةً قياسيّةً لبعث الروح الأكاديميّة و المدنيّة في الشخص. من يدري؛ ربّما كان علينا أن نزرع في الشخص هذه الصفات صفةً صفةً و ننتظر حتىّ ’تُنْفَخَ‘ فيه الروح الأكاديميّة و المدنيّة، كحال الجنين تنفخ فيه الروح بعد فترةٍ من بدء تكوّن جسده! و كما رأيت و ترى فإنّ هذه الصفات مترابطة: وجود إحداها يتبع أو يتبعه وجود أخرى.‏
  • هذه الصفات يمكننا اتّخاذها كمعيارٍ نقيّم به أداء الجامعة، و لذلك لا بدّ من معرفتها.‏

الآن نواصل في سرد صفات الشخص الأكاديميّ و المدنيّ ضمن حديثنا عن رسالة التعليم العالي و الشيء المفقود في هذه الجامعة:

* ترتيب العقل: المعلومات و الأفكار في‏ رأس الشخص الأكاديميّ جيّدة الترتيب يسهل إخراجها كما يسهل ’تشغيلها‘.

* التربية الإداريّة و المؤسّسيّة و النقابيّة: العمل في المؤسّسات و عرض المطالب و حصر القضايا و‏ … الخ كلّها من الجوانب المدنيّة التي (ينبغي أن) يتعلّمها الطالب في الجامعة. و قد عجبت لقول البعض عندما كنّا بصدد رفع مذكّرةٍ لنائب العميد: ”لو شرّط ليكم الورقة دي في وشّكم بتعملوا شنو؟“! لذلك أقول: الاتّحاد و الروابط و الجمعيّات بكلّ أشكالها و اللّجان و العمل السياسيّ و غيرها كلّها ليست فضلاً و إنّما هي جزءٌ ضروريٌّ من الحياة الجامعيّة، و وجود هذه الأشياء بشكل سيئٍ لا يعالج بإيقافها (فهلاّ أوقفنا المحاضرات هي الأخرى!!).

* الروح السياسيّة: الروح المدنيّة تحمل داخلها روحاً سياسيّةً كامنةً يمكن أن تنشط في أيّ وقتٍ.

* مهارة الاتّصال: أوّلاً هنالك لغة تفاهمٍ فعّالةٌ بين كلّ الأكاديميّين بمختلف تخصّصاتهم و بيئاتهم (طبعاً لن نحتاج لأن نتحدّث عن كفاءة اتّصال أهل الاختصاص الواحد). ثانياً يملك الشخص الأكاديميّ القدرة على مخاطبة الناس في كافة المستويات.

* جودة عرض الأفكار: يستطيع الشخص الأكاديميّ عرض معلوماته و ما يدور في رأسه بلغةٍ سليمةٍ، واضحةٍ، دقيقةٍ، و مفهومةٍ للجميع (و هو الأهمّ). ربّما كانت هذه فلسفة الجامعة حين اعتمدت اللّغة العربيّة و الإنجليزيّة كمتطلّبات جامعة، لكن ما هكذا تُورَد الإبل! فلنعد لموضوعنا. أقول: و قد تلاحظ أنّ خريج الجامعة بهذه الطريقة يصلح بإعداد الجامعة الاعتياديّ لأن يدرّس في مراحل التعليم العامّ (تعليماً و ليس تربيةً). غير أنّه يحتاج لإعداد خاصّ ليدرّس في الجامعة (ليس كلّ من يملك الروح الأكاديميّة يقدر على بعثها في من لا يملكها).

* السعة الاستيعابيّة الضخمة: يستطيع الشخص الأكاديميّ أن يفكّر في أشياء و مشاريع كبيرةً جدّاً. و السبب في ذلك ربّما كان قدرته الكبيرة على تنظيم المعومات و الأفكار في رأسه، إضافةً إلى الدوافع الكبيرة مثل روح البحث و غيرها. و مالنا نعدّ برنامج الحاسب من ألف سطرٍ شيئاً كبيراً و الناس تكتب آلاف السطور؟ و مالنا نتعاطى مشاريع التخرّج الهزيلة و المتواضعة و الناس تفعل ما لا يتّسع فهمنا لاستيعابه؟ و مالي أفخر بهذه الوريقات و الناس تؤلّف من الكتب ما نكسل نحن من قراءته؟!

* الأخلاق المدنيّة: كثيرا ما سمعت عبارة تقول: ‏”ذهبت إلى أوروبا فوجدت إسلاماً بغير مسلمين، و جئت إلى بلاد المسلمين فوجدت مسلمين بلا إسلام،“ و لا أعرف نصّ العبارة بالضبط و لا قائلها. غير أنّي أعرف أنّ الأمر ليس غريباً بالنسبة لي، إذ يبدو أنّ رسالة الإسلام في الدنيا هي المدنيّة .. هذا يبعدنا عن الموضوع و يفتح لنا نقاشاتٍ جانبيّةً. ما أردت قوله هو أنّ هنالك كَمٌّ من الأخلاق يتحلّى به الشخص المدنيّ بفكرةٍ قائدةٍ وحيدةٍ هي أنّ سلامته في سلامة المجتمع. و من هنا يمكنك أن تتحدّث عن الضمير المدنيّ مثلاً. كذلك تظهر كلمة ’غلط‘ التي تقابل كلمة ’حرام‘ في الدين؛ مع تذكّر أنّه لا يحرّم إلاّ الله بينما للناّس أن يتعارفوا على ما هو غلط. و إدراك مفهوم الأخلاق المدنيّة (و مفهوم المدنيّة عموماً) يحلّ كميّةً من الجدالات و يجيب على كميّةٍ من التساؤلات لو كانوا يعلمون. و رسالة (جانبيّة) أرسلها من هنا إلى كلّ اليمينيّين: أدعُ إلى المدنيّة في إطار دعوتك إلى الإسلام. *نقطةٌ هامّةٌ* هي أنّ الأخلاق المدنيّة لا تُدرّس بل تورّث للشخص بتأثير الآخرين (هذه هي الحالة العامة، و (قد) توجد استثناءات). كلامٌ هلاميٌّ؟! على كلٍّ فهذا من الأشياء التي تجعل الدراسة الجامعيّة النظاميّة بوجود الطالب في المجتمع الجامعيّ أرفع بكثيرٍ من الدراسة بالانتساب و غير ذلك.

* الأخلاق الأكاديميّة: مثل الأخلاق المدنيّة يمكننا أن نتحدّث عن الأخلاق الأكاديميّة، كاحترام الكتاب و احترام المعلّم، و عن الأخلاق السياسيّة و غيرها. و كلّها مصطلحاتٌ يصعب ضبطها بتعريف.

* النظرة الاجتماعيّة: الشخص الأكاديميّ ينظر إلى المال و الوضع الاجتماعيّ و الطموحات و ما شابهها بطريقةٍ تختلف عن نظرة غيره. و لا أعدّ نفسي شخصاً أكاديميّاً نموذجيّاً لأصف تلك النظرة، لكنّني أعرف أنّها تختلف عن نظرة الآخرين. و الشخص المدنيّ كذلك يملك نظرته الاجتماعيّة التي تميّزه، و يقدر على فرضها في المجتمع. و قد تمتّع الخريجون بوضعٍ اجتماعيٍّ مميّزٍ في هذا البلد لفترةٍ من الزمن، ثمّ هاهم الآن يوشكون على فقده بفضل تردّي نظرتهم الاجتماعيّة من جهةٍ و بفضل ضعفهم في فرض نظرتهم من الجهة الأخرى، فهل نحن عاملون على استعادة هذا الوضع؟

* النظرة الاقتصاديّة: يستطيع الخريج تقييم الأشياء المتباينة في طبيعتها من زمنٍ و مالٍ و عملٍ و غيرها، و يستطيع أن يوازن بينها.

* الإيجابيّة و توطين النفس: الشخص الأكاديميّ ليس إمّعةً ينجرف وراء الأشياء، بل لديه رأيه و فلسفته التي تقوده. و الشخص المدنيّ إيجابيٌّ يدرك ما حوله و يشارك فيه على الأقلّ بوعيه.

* القدرة على التنقّل: وجود الروح الأكاديميّة هو الأساس إذ يمكن بعد ذلك أن يتنقّل الشخص الأكاديميّ داخل و خارج مجال اختصاصه، و لا شيء يقيّده إلاّ إمكاناته و طموحه (و ظروفه!). و قد تشعر في بعض الأحيان أنّ التنقّل هو صفة الشخص الأكاديميّ لا القدرة على التنقّل.

* حُسن الاستغلال: يستطيع الشخص الأكاديميّ أن يستخرج خلاصة الأشياء و أقصى ما يمكن أن يستفيد منها. فقد تجد شخصين شاهَدا نفس الفيلم مثلاً أحدّهما نظر إليه كإثارةٍ و متعةٍ و الآخر استفاد العبرة و استخرج عدداً من الأمثلة ليضربها في مقامٍ آخر. بهذه الطريقة يضاعف الشخص الأكاديميّ تجاربه لدرجةٍ قد يستغربها الناس.

* القدرة على التمثيل و التعميم: المعلومات في رأس الشخص الأكاديميّ ليست جامدةً بل تتجدّد و تدخل في كلّ جوانب عمله و حياته، و قد يستفيد في أحد العلوم من معلومةٍ عرفها في علم آخر، أو يضرب المثل بهذه المعلومة في نقاشٍ ما. و من هنا فأنا استحسن فكرة وجود علومٍ نظريّةٍ مجرّدةٍ الغرض منها تفتيح الذهن و تنمية القدرة على التحليل و التمثيل، و لسبب كهذا نصحت بتعلّم برمجة الحاسب في رسالتي للبرالمة.

* التصرّف و الإبداع: لا يقف الشخص الأكاديميّ عاجزاً إن لم يجد ما يريد بل يشرع في التفكير في بدائل. و كذلك الشخص المدنيّ لا يستسلم. هذه الصفة منعدمةٌ عندنا في السودان لدرجةٍ مخزيةٍ، و هنا أقول: «أرفض أن أنظر إلى الدنيا كسردابٍ طويلٍ يمشي فيه الغربيّون في المقدّمة و نمشي نحن في الآخر. أرفض جملةً عبارةً مثل: ”اللّحاق بركب التقدّم.“ أرفض كذلك الفهم القائل بأنّ الحديث (زمانيّا) أكثر تحضّراً من القديم، و أرفض العكس أيضاً!» و من المخجل كذلك النكوص الذي نراه عندنا حين تقابلنا مشكلةٌ فنبدأ في اجترار الماضي و التقهقر فيه. أقول: و هذا الكلام حمّال أوجه، فأرجو أن تكون فهمته كما أعنيه.

* القدرة على اتّخاذ قرار: قلّة الخطوط الحمراء و ترتيب الأفكار يجعلان الشخص الأكاديميّ قادراً على اتّخاذ قراراتٍ راشدةٍ في أيّ مساحةٍ زمنيّةٍ، و كلّما اتّسعت هذا المساحة كان القرار أكثر رجاحة إلاّ إن وصل إلى أرجح قرارٍ أو استنفذ سعته الاستيعابيّة. هذا بخلاف الشخص غير الأكاديميّ الذي كثيراً ما يدخل في متاهاتٍ لا نهائيّةٍ من التفكير نتيجة لعدم ترتيب العقل، و كذلك ينتهي كثيراً إلى طرقٍ مسدودةٍ نتيجة لكثرة الثوابت عنده و تناقضها فيضطرّ للتقهقر بأفكاره و الدخول في ممرٍّ جديدٍ من التفكير؛ و كلّ ذلك محسوبٌ من زمن القرار، لذلك تخرج قراراته بمستوىً من الرجاحة أقلّ من قرارات الأكاديميّ الذي أخذ نفس الوقت. كذلك يملك الشخص الأكاديميّ شجاعةً أكبر في اتّخاذ قرارٍ نتيجةً لثقته في الثوابت و الخطوات و المنهج التي بنى عليها قراره.

* مشاعر الشخص الأكاديميّ: كثيرا ما يتّهم الناس الأكاديميّين بتحجّر المشاعر و بأنّهم يسندون للعقل ما ينبغي أن يسند للقلب،‏ و يقولون: ”العواطف و المشاعر لا تحسب بالعقل.“ أقول: عبارةٌ كهذه أجدر بأن يقولها الأكاديميّون أنفسهم، و إلاّ فهي جديرةٌ بالإنكار. على كلّ فتحجّر المشاعر مثله مثل الفوضى و الـ’هترشة‘ و الـ’بشتنة‘ كلّها صفاتٌ لحقت بالأكاديميّين و يصعب نفيُها عنهم، رغم إيماني التامّ بأنّهم بريئون منها و أن اتّصفوا بها جميعاً .. عبارةٌ تثير الجدل!!

الآن نصل إلى نهاية هذا السرد لما أذكره ممّا أعرفه من صفات الشخص الأكاديميّ و المدنيّ، و نلتقي في موضوعٍ جديدٍ في المرّة القادمة إن شاء الله. على أنّ الموضوع الأهمّ و الأصعب و الذي أتمنّى أن أسمع فيه هو كيفيّة بعث الروح الأكاديميّة و المدنيّة في من لا يملكها.

This entry was posted in Arabic, رؤى جديدة and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *