الكائن المثالي

بعد ما قدّمناه من نقدٍ و تصنيفٍ للكائنات يمكننا أن نقدّم الآن تصوّراً للكائن المثاليّ:

* الكائن المثاليّ كائنٌ مستقرٌّ: بلا برهان. و هنالك وضعان فقط (على حسب ما أرى الآن) يمكن فيهما أن يتشكّل كائنٌ مثاليٌّ الأوّل أن يجمع المنتمون على هذا التشكّل كخطوةٍ (ضروريّةٍ) لتحقيق أهداف الكائن، و الثاني أن يكون هدف الكائن هو المصلحة الخاصّة للأفراد المنتمين إليه.‏

* لم نفاضل بين الكائنات المتماسكة و تلك الهلاميّة‏. أقول بلا برهانٍ أنّ الكائن المثاليّ متماسكٌ و لكنّه يملك واجهة تعاملٍ عريضةً جدّاً مع مجتمعه مزوّدةً بعددٍ من المرشّحات تمنع اختلاط فكر الكائن مباشرةً بالجمهور و توفّر له الحماية بالتالي – يمكن أن نتخيّلها كجدار الخليّة و جلد الإنسان: تخرج ما تشاء و تسمح بدخول ما تشاء بآليّةٍ معيّنةٍ.‏

هذا هو الجانب السهل و الذي يمكن لكثيرٍ من الكائنات أن يحقّقه؛ و إليكم بالجانب الصعب:

* القطبيّة‏: لا يمكن لكائنٍ أن يخلو من القطبيّة (لماذا؟ أترك الإجابة الآن للقارئ و لنقاشٍ أطول في وقتٍ لاحقٍ إن شاء الله). ما يهمّنا في الكائن المثاليّ ألاّ تخرج به قطبيّته من مساره، فالكائن المثاليّ ليس له قطبيّةٌ خارجيّةٌ، و قطبيّته الداخليّة ملتزمةٌ بأهدافه المعلنة. و كما يمكن أن نتخيّل فالقطبيّة مقيّدةٌ بمبادئ و دستور وقوانين الكائن، و على هذا نقول: الكائن المثاليّ يوسّع و يفصّل مبادئه و دستوره و قوانينه حتىّ تؤول قطبيّته إلى ثابتٍ.‏

* الآراء و المعلومات تنتقل داخل الكائن المثاليّ بنفس السرعة بين أيّ مكانين فيه، بدون أيّة أحجبةٍ. هذا بخلاف الكائنات الواقعيّة التي تنتقل فيها الآراء و المعلومات من القمّة إلى القاعدة أسرع بكثيرٍ من انتقالها في الاتّجاه المعاكس. أجد أمامي ثلاث طرقٍ لتحقيق الوضع المثاليّ الأولى توفير قناة اتّصالٍ مباشرٍ بين أيّ فردين في الكائن، و هذا محالٌ، و الثانية إدخال مفهوم الوسط الناقل كما في الكمبيوتر، و هذا سيلي عنه كلامٌ كثيرٌ إن شاء الله، أمّا الطريقة الثالثة والتي أرشّحها للكائن المثاليّ فهي أن تكون سرعة انتقال الآراء والمعلومات كبيرةً جدّاً بحيث لا يظهر الفرق حتىّ لو تضاعفت المسافة – بسرعة الضوء إن جاز التشبيه. و الباب مفتوحٌ لاقتراح طرقٍ أخرى.‏

* لا يقفل ملف قضيّة نقاشٍ ما لم يتّفق فيها جميع الأعضاء، و لا يصدر عن الكائن تصرّفٌ جماعيٌّ إلاّ بإجماع و اقتناع الصادر عنهم. ففي حال الخلاف يصدر عن الكائن المثاليّ إعلانٌ برأيه الغالب و وزن هذا الرأي داخله. و مسألة وحدة التصرّفات هذه تحتاج إلى مزيدٍ من التفصيل كما يلي:‏

  • أوّل ما يفكّر فيه الكائن المثاليّ هو تثبيت قواعد لأسلوب التفكير في شكل ’خوارزميّات‘ بطريقة تضمن أنّه إذا أُعطيَت نفس المسألة السياسيّة أو الفكريّة أو أيّاً كان نوعها لأيّ شخصٍ في الكائن بنفس المعطيات فإنّه يصل إلى نفس الرأي؛ و إلاّ فبطريقة تضمن أن يقود النقاش بين أصحاب الآراء المتباينة إلى رأيٍ واحدٍ يقتنع به الجميع بطريقةٍ سريعةٍ و موجّهةٍ. هذا و ذاك يتضمّنان إدخال و تعريف مفاهيم و مصطلحاتٍ و آدابٍ عامّةٍ للنقاش و أساليب للعرض يُتعارف عليها تسهّل تبادل الآراء بين المتناقشين – و هذا الجانب الأخير هو ما أحاول الوصول إليه من هذه الكلمات الجديدة كـ’كائن‘ و ’قطبيّة‘ و ’مستقِر‘، ومن خلال شكل عرض هذه المقالات عموماً. قد يبدو هذا الأمر مشابهاً لأن يتحوّل جميع الأعضاء إلى نسخٍ من شخصيّةٍ واحدةٍ، و بالتالي تقلّ الكفاءة، لكنّ الأمر مختلفٌ تماماً، فالناس لم يصبحوا شخصاً واحداً لأنّهم يتكلّمون نفس اللغة. و للاختصار لك مجازاً أن تفكّر في العكس: أن يتحوّل الشخص الواحد في أسلوب تفكيره إلى شخصيّةٍ تحوى نسخةً من أسلوب كلٍّ من الآخرين، وبذلك يسهل التفاهم. و كلّما ابتدع أحد المنتمين أسلوباً في تناول المسائل أو طوّر اصطلاحاً جديداً أضيف إلى القائمة.‏
  • هذا عن أسلوب التفكير. و الخطوة التالية هي تطوير العلاقة بين الرأي و التصرّف لدى أفراد الكائن بحيث أنّ وجود نفس الرأي لدى أحد أفراد الكائن يقوده إلى نفس التصرّف. هذا أفضل بكثيرٍ من إلزام المنتمين برأي الأغلبيّة.‏

* الكائن المثاليّ غير مسئولٍ عن تصرّفات المنتمين له خارج إطار نشاطه. فإذا أخطأ أحد المنتمين من نفسه فإنّه هو من يتحمّل مسئوليّة خطأه و يحاسب أمام مجتمعه، و ليس على الكائن الدفاع عنه. هذه النقطة بالذات صعبة التطبيق عندنا ههنا و تفتقر لها الكائنات المتشكّلة، و سأتكلّم عنها أيضاً بالتفصيل إن شاء الله، إن لم يسبقني للحديث عنها أحد.‏

هذا بعض من صفات الكائن المثاليّ كافٍ لأن نستخلص منه الخلاصة التالية:

«الكائن المثاليّ غنيٌّ جداً بالمرشّحات، و لا يمكن الحصول عليه، و يلزم البحث عن أفضل تقريبٍ له إن كان لابدّ من وجود كائناتٍ.»‏

فهو إذن ’مثاليٌّ‘ بالمعنى الشائع لهذه الكلمة. و يظلّ هنالك عيبين في نموذج الكائنات، بما فيها تلك المثاليّة، وهما أنّ الكائنات لا تسمح بتعدد الانتماء لكائناتٍ من نفس النوع، و أنّها لا تسمح بإعلان أحد المنتمين العداء على آخر. و يظلّ صلاح الكائن معتمداً على صلاح قطبيّته.

أترك البحث عن التقريب الأفضل للكائن المثاليّ لمن يؤمنون بالكائنات، أمّا أنا فخطوتي القادمة، و التي أعتذر إن كنت قد أخّرتها كثيراً في نظر البعض، فهي عرض نموذجٍ بديلٍ للكائنات، إن شاء الله.‏

This entry was posted in Arabic, رؤى جديدة and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *