تتبنّى المعتقدات المختلفة نماذج متباينةً للمواطن الصالح تناسب أهدافها و توافق مبادئها. لا نريد الآن أن نضع نموذجاً للمواطن الصالح و لكن نريد فقط أن نلحق العبارة التالية بتعريف النموذج الذي قد نتّفق عليه:
«المواطن الصالح يؤدّي أعمالاً دوريّةً متقنةً، أو يبتدع أشياء (إيجابيّة) جديدةً، أو لديه مهاراتٌ و يمارس هواياتٍ.»
يوجد الكثير من الأمثلة للأعمال التي يمكن أن يؤدّيها المواطن، و لكنّني أفضّل هنا ألاّ أخصّص مثالاً بعينه و أن أترك المجال لمزاج القارئ؛ المهمّ في العمل أن يكون دوريّاً و متقناً. الدورة قد تكون زمنيّةً (يوميّاً، أسبوعيّاً، …) أو ظرفيّةً كلّما حدث شيءٌ معيّنٌ. و الإتقان يتضمّن ألا ينخفض مستوى العمل عن أيّ مستوىً بَلغَه: أن يتحسّن باطّراد.
الفائدة العظمى من العمل الدوري تظهر عندما ’يتناغم‘ نشاط الناس و تدور آلة المجتمع بإيقاعٍ منتظمٍ. و لعلّك كنت حاضراً في إحدى مباريات ’هندسة‘ حين دخلت جماعةٌ من طلاّب ’آداب‘ إلى الملعب ليفسدوا المباراة. كان جمهور هندسة كبيراً جدّاً في ذلك اليوم و حاولوا أن يتحلّوا بالصبر. بدأ أحد المشجّعين بالتصفيق ثمّ تبعه آخر، ثمّ ثالثٌ و رابعٌ، ثمّ امتلأ المدرّج بالتصفيق، ثمّ استجاب المشجّعون في الجانب المقابل .. و بعد قليلٍ امتلأ الفضاء بالتصفيق، بإيقاعٍ واحدٍ: مجرّد ’صفقة‘ أنتجت شيئاً رهيباً! و إن لم تكن حاضراً في ذلك اليوم فإنّك تحضر كلّ عام التـكبير في أيّام النحر، و تسمع في كلّ جمعةٍ قول المصلّين ’آمين‘، و تذكر هتاف الآلاف في المظاهرات، و تعرف قوّة الغناء في مجموعةٍ و العزف في أوركسترا … الخ.
ربّما نكون قد ابتعدنا قليلاً عن موضوعنا الأساسيّ، فهناك سؤالٌ ينبغي أن نجيب عليه و هو: ”ماذا إن لم يتناغم المجتمع معي؟“ حتّى في هذه الحالة فإنّك ستستفيد الكثير و لن تخسر شيئاً: ستصبح شخصاً منضبطاً و منظّماً تتناغم أعمالك بإيقاعٍ واحدٍ، و العمل الذي تؤدّيه في المجتمع سيعود عليك بالفائدة عاجلاً أو آجلاً – و هذا موضوعٌ قائمٌ بذاته.
عن الإبداع يوجد الكثير من الأمثلة التي لن نخصّص أيّاً منها كذلك؛ و فيه نوعان: أن يقدّم الشخص شيئاً جديداً (و الجديد مسألةٌ نسبيّةٌ)، و أن يعيد تقديم شيءٍ موجودٍ بطريقةٍ جديدةٍ أكثر فائدة. و الإبداع مهمٌّ لنموّ المجتمع و صيانته، إذ يبدو أن المجتمع الذي لا يُدفع للأمام يتدحرج للوراء.
يظنّ الكثيرون أنّه ليس في وسع جميع الناس ابتداع الجديد؟! هذا أمر لا يمكن التأكّد منه، و لكن من حسن الحظّ أنّنا قد لا نحتاج لعددٍ كبيرٍ من المبدعين. و في هذه الفترة و طالما كان غرض الإبداع هو تنمية و صيانة المجتمع، فإنّه لا بدّ أوّلاً من تأسيس المجتمع و تنغيمه.
و ماذا عن الهوايات و المهارات؟ هذه مهمّةٌ لأنّها تهيئ للشخص وضعاً نفسيّاً يجعله قادراً على أداء النشاط الدوريّ أو ابتداع الجديد. و الأمثلة كثيرة، و لكن للمرّة الثالثة لن نخصّص.
إذن إذا شبّهنا المجتمع بآلةٍ فأنّ النشاط الدوريّ هو وقود هذه الآلة، و الإبداع هو قطع غيارها، و الهوايات و المهارات هي زيت تشحيمها. و الآن و بعد هذا الكلام المختصر إذا شعرت بأهميّة – أو على الأقلّ بفائدة – أيٍّ من هذه الأشياء الثلاثة فلتبدأ بسم الله.