حريّة الرأي

أعتذر أوّلاً لأهل السياسة لاستعارتي هذا التعبير الذي استخدموه كثيراً بمعنى ”حريّة التعبير عن الرأي؛“ أمّا المقصود هنا فهو حريّة الرأي نفسه من القيود التي تفرض عليه، مثل شخصيّة و ظروف صاحبه. كثيراً ما تكلّمتُ عن تجريد الرأي من شخصيّة صاحبه، و سأحاول الآن توضيح بعض المنطق وراء ذلك لعلّ القارئ يقتنع به إن لم يكن مقتنعاً، و لكن أنبّه أوّلا إلى أنّني أتحدّث عن الرأي و ليس المعلومة، فلنتأكّد أوّلاً من الفرق بين الاثنين. ”اتّفقنا؟“ ”اتّفقنا.“

لتوضيح الفكرة نستعين ببعض مفاهيم الذكاء الصناعيّ (غريب!). يقسّم أهل الذكاء الصناعيّ المعرفة إلى معلوماتٍ و استنباطٍ. فمثلا إذا سئلت عن قيمة ”9×11“ لأجبت من حفظك: ”99؛“ هذه معلومةٌ. لكن لو سئلت عن قيمة ”19×21“ لأجريت عملية الضرب ثمّ أجبت: ”399؛“ هذا استنباطٌ. فالاستنباط إذن هو اشتقاق معلوماتٍ جديدةً من معلوماتٍ موجودةٍ – أوّليّةٍ أو مستنبطةٍ – بطريقةٍ أو أخرى، و المعرفة الاستنباطيّة هي طرق الاشتقاق هذه.

إذا طبّقنا هذه المفاهيم على المعلومات و الآراء نجد أنّ الرأي يعتمد على المعلومات المتوفّرة لصاحبه و المعرفة الاستنباطيّة لديه، إضافة إلى متغيّر الظروف الاستثنائيّة. و هذا الأخير يشمل كلّ ما لم يؤخذ في الاعتبار مما له علاقةٌ – معروفةٌ أو غير معروفةٍ – بالمسألة تحت البحث: يطول الكلام عنه، لكن لحسن الحظّ لا نحتاجه الآن في الظروف الاعتياديّة.

و الآن ما علاقة كلّ هذا بحريّة الرأي؟ عندما يرجّح الناس رأي فلانٍ لأنّه عالمٌ بهذا الأمر، و يستضعفون رأي فلانٍ لجهله بذاك الموضوع، فإنّهم يستندون إلى فكرتهم عن حجم و نوع معلوماته دون اعتبارٍ لقدرته على الاستنباط؛ و هذا خطأٌ. و من الخطأ أيضا أن تعتقد أنك تعرف تماماً حجم و نوع المعرفة الاستنباطية عند أحد الأشخاص، لأنّك حتىّ لا تستطيع أن تعرف حجمها و نوعها عندك أنت نفسك! و كذلك الحال بالنسبة للمعلومات، فقد قيل أنّ كلّ ما رآه الإنسان أو سمعه موجودٌ في ذاكرته، و لكن قد لا يصل إليه؛ و لكن قد يصل إليه دون أن يشعر أثناء استنباطه رأياً ما، و بسرعةٍ هائلةٍ!! و إنّ رأياً يستند إلى كلّ هذه المعلومات لجديرٌ بالنظر. و ماذا إن قُلتُ: ”إنّ كثيراً من المشاعر من ودٍّ و بغضٍ و ثقةٍ و عدمها و ارتياحٍ و انقباضٍ و غيرها إنّما هي آراء تستند على معلوماتٍ غير ظاهرةٍ (خلفيّاتٍ)!!“ فكّر في هذه العبارة.

شيءٌ آخر أريد أن أقوله في هذا الباب، و هو أنّه قد يكون من الخطأ أحيانا أن تحاول أن تتتبّع استنباط شخصٍ ما فتفترض أنّه قد بنى رأيه على كذا و كذا. تذكّر أنّه قد يوجد ما لا حصر له من الطرق لاستنباط رأيٍ في أمرٍ ما، كلّ طريقةٍ تستند على كتلةٍ من المعلومات الأوّلية و المستنبطة قد تختلف عن ما استندت عليه طريقةٌ أخرى. و إذا رجعت إلى مثال عمليّة الضرب ”19×21“ فقد تجد من يجريها هكذا: ”19×21 = 19×1 + 19×20 = 19 + 380 = 399،“ و لكن قد تجد من يجريها هكذا: ”19×21 = [20-1]×[20+1] = 20×20 – 1×1 = 400 – 1 = 399.“ فالأوّل قد استخدم طريقة الضرب المطوّل مستنداً على أنّ 19×1 = 19: معلومةٌ مستنبطةٌ من أنّ ضرب أيّ عددٍ في 1 يعطي العدد نفسه، و أنّ 19×20 = 380: معلومةٌ مستنبطةٌ بعدّة طرقٍ، و استند كذلك على عمليّة الجمع: معرفة استنباطيّة. و الثاني أجرى عمليّة فضل مربّعين مستنداً على ملاحظة أنّ 21 – 19 = 2×1، ثمّ على أنّ 220 = 400، ثمّ على عمليّة الطرح. و ثالثٍ قد يجري عمليّة الضرب هذه بطريقة أخرى نعرفها أو لا نعرفها.

هناك شيءٌ آخر يجب أن يتحرّر منه الرأي، و هو ظروف صاحبه: «لا تُفصّل رأيك ليخدم ظروفك؛» فسواءٌ كنت تعمل به أم لا، و سواءٌ كان في صالحك أم لا، فيجب أن لا يتغيّر رأيك. و قد تأتي على الشخص مواقف يفضّل فيها أن يحتفظ برأيه: عملاً بالنصّ المتقدّم أقول أن هذا ليس هو الصواب بالضرورة لأنّي أفعله. لكنّ المهمّ هو أن تتأكّد عندما تبدي رأياً أنّه فعلاً رأيك الذي تراه صحيحاً، و ليس الذي تراه مناسباً للوضع. و بالنسبة لسامعيك فينبغي ألاّ يحاسبوك برأيك، إلا في حالة أن يتفقوا معك في صحّة هذا الرأي. و ماذا عن قول القائل:

لا تنهَ عن خُلُقٍ و تأتي مثله‏ ××× عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

؟ لا أعرف ما يعنيه بالضبط، و لكنّني أعرف أنّ على الشخص أن يفصّل أفعاله على آرائه و ليس العكس.

ختاماً أشدّد على أهمّيّة تحرير الرأى. و لا ألقى اللّوم على من يقول: ”لو دايرينّي أقرا ليكم 60 كتاب عشان تسمعوا رايي إن شاء الله عنّكم ما سمعتوهـ؛“ و لا ألقيه على من احتفظ برأيه مخافة أن يضعه رأيه تحت أنظار الناس. و لو خسر هذا أو ذاك من احتفاظه برأيه فهذا غير مهمّ؛ المهمّ هو أنّ الناس قد يخسرون رأياً ربّما كان مفيداً.

This entry was posted in Arabic, رؤى جديدة and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *