بعد الإعلان الثاني لرفع الاعتصام بكليّة الهندسة شاهدت من أقسم بالله ألاّ يعتصم ما كان في هذه الجامعة و ألاّ يشترك في حلّ القضايا العامّة ما حَيِيَ! أهو ’حرد‘؟ وقبل ذلك كنّا واثقين أنّه إذا رفع الاعتصام فلن يقوم اعتصامٌ بعده في بقيّة هذا العام الدراسيّ لأنّ الناس سيشعرون بالملل؛ أضف إلى ذلك ثقتنا التامّة في أنّه إذا كُسر اعتصامٌ في هذه الكليّة فلن يقوم فيها اعتصام بعده إلى ما شاء الله، إلى غير ذلك من الشواهد. لهذا و مادام الشعور بالملل قريباً في الصدور فإنّني أرى أن نأخذ وقفةً عند هذا الأمر قبل أن أرهق نفسي بكلامٍ قد يراه البعض مملاًّ و مكرّراً:
* افرض أنّ هنالك جهةٌ ما كان من مصلحتها أن يفشل عملٌ جماعيٌّ معيّنٌ و كان لهذه الجهة عامل خفيٌّ (عميلٌ) في الجماعة المؤدّية للعمل. كيف يمكن لهذه الجهة أن تفشّل العمل بطريقة سلميّة ’نظيفة‘؟ الأمر بسيطٌ: يَدّعي العامل أنّه أحرص الناس على العمل و يقول: ”إنّي به زعيمٌ“ حتىّ يصل إلى موضعٍ مؤثّرٍ يحبط منه كلّ عملٍ. فإذا فشل العمل فهل سيستسلم الناس أم يبحثون عن من (ما) أفسد عليهم عملهم الذي فيه مصلحتهم؟ و لتنظر إلى شعب السودان: ملّ من حديث المتحدّثين باسمه و ادّعائهم السعي لمصلحته و تولّيهم أمره، حتىّ أصبح كلّ مواطنٍ يحلّ مشاكله على طريقته الخاصّة: من قصّر عنه مرتّبه لجأ إلى عملٍ إضافيٍّ، من لم تعجبه المدارس الحكوميّة اتّجه إلى المدارس الخاصّة، فمن لم يجد فليجتهد! من … ولكن من الخاسر في النهاية من مللنا هذا؟ أهو نحن أصحاب القضايا أم من يريد أصلاً أن تفشل قضايانا؟ علينا أن ننظر في الأمر مرّةً أخرى – بنفسٍ صبورةٍ و نظرةٍ ثاقبة.
إن لم تعجبك هذه الفرضيّة أو ظننت أنهّا غير واقعيّة فلتنسها الآن حتىّ نتحدّث عنها بالتفصيل في وقتٍ لاحقٍ إن شاء الله، و إليك بفرضيّةٍ أخرى:
* افرض أنّ شخصاً ما كان مخلصاً لعملٍ جماعيٍّ ما و لكن تنقصه الخبرة و بعد النظر – وهذا يحدث كثيراً. حسب حماس هذا الشخص و إخلاصه وضعه الناس في موقعٍ قياديٍّ و وضعوا ثقتهم فيه، و لكن نتيجة لقلّة خبرته و ما إلى ذلك فشل هذا الشخص في هذا الموقع و قاد في النهاية إلى فشل العمل كلّه، فهل سنلقي باللّوم عليه أم على أنفسنا؟ أقول: وإنّ عملاً يستطيع شخصٌ واحدٌ أو قلّة من الناس أن يفسدوه، بقصد أو بغير قصد، لهو عملٌ فاشلٌ من أصله. ثمّ ماذا سنكسب إن ألقينا كلّ اللّوم على شخصٍ لأنّه أخطأ؟ كلّ ما سنكسبه أنّنا قد نخسر شخصاً مخلصاً للقضيّة. هل ’نحرد‘ حقوقنا و مطالبنا لأجل شخصٍ أو بضعة أشخاصٍ أيّاً كانوا؟ هذا لا يعقل.
والعبارة الخاتمة يمكن أن تكون:
«إنّ الفشل يحدث و إنّ التفشيل يحدث، والقضايا العامّة لا ينفع الناس فيها الملل و الإحباط و ’الحرد‘، وإنمّا ينفعهم الصبر و العقل و ’طول البال‘.»
الآن فقط يمكنني أن أقول بعضاً مما كنت أريد قوله إن شاء الله.