متفرّقات

بعد كلّ هذا التمهيد النظريّ ظننت الوقت مناسباً لتقديم بعض النماذج العمليّة، غير أنيّ تذكّرت أنّ عليّ أن أمهّد الطريق لهذه النماذج بالتنبيه إلى بعض معوّقات العمل العامّ، فربما تتاح لي فرصة وحيدةٌ لعرض هذه النماذج. الآن أعرض لبعض المشاكل في العمل العامّ بإيجازٍ شديدٍ، فكلٌّ منها يستحقّ التفصيل كمسألةٍ منفصلةٍ. و الترتيب هنا ليس له أيّة دلالة:

* الأخذ برأي أحدهم‏: كثيراً ما يقتنع الشخص برأي أحدهم و لكنّه لا يعمل به خوفاً من نظرة الناس له: ”خلاص فلان قال ليك كدا طوّالي سمعتَ كلامو؛“ أو ما شابه هذه العبارة البغيضة! و لو كان كلّ الناس يفكّر بهذه الطريقة فلن نخطو خطوةً واحدةً إلى الأمام. لا يعيب في شيء أن تعمل برأي شخصٍ ما، حتىّ لو كان عدوّك، و حتىّ لو كان أقلّ منك فهماً أو مقاماً. هذه النقطة بالذات تهمّني كثيراً كشخصٍ يطرح آراءه للآخرين.‏

* الدفاع عن الموجود: هذه عادةٌ شاهدتها عند كثيرٍ من الناس، و كأنّ منطقهم: ”لو لم يكن صحيحاً لما كان موجوداً!“ ’عَبَدَة الواقع‘ كما سمّاهم أحد الزملاء.‏

‏* «حدّد موقفك قبل التفكير في موقف الآخرين»: كثيراً ما سمعت عباراتٍ مثل ”الناس ما بفهموا ليك الكلام دا!“ أنا لا يهمّني أن يفهم الناس مادمت أنت – أعني قائل العبارة – قد فهمت. لماذا يتحدّث البعض عن الآخرين و كأنّه ينظر إلى كلّ الموقف من مكانٍ بعيد؟ قد يكون خانني التعبير في توضيح هذه النقطة، و لكنّني أعتمد على تكرّرها أمامك كثيراً. و لأنّ هذا الاستدراك قد لا يرضي بعض الأصدقاء الذين أسمع منهم مثل هذه العبارات فإنّني أرجو منهم أن يفكّروا قليلاً، لعلّهم يجدون لي منطقاً في كلامي هذا.‏

* الاعتماد على شخصيّاتٍ معيّنةٍ: كثيراً ما تجد كلّ الأعمال العامّة مسندةً إلى نفس الأشخاص سواءً باختيارهم، أو مرغمين لأنّهم يخشون أن لا يعذرهم الناس أو يعتبروا اعتذارهم تدلُّلاً. هذا الوضع عيوبه كثيرة، فهو يعلِّم الآخرين الكسل، و يجعل نجاح العمل مربوطاً بأشخاصٍ بعينهم، و يعصم هؤلاء الأشخاص من النقد … الخ.‏

* الأغراض الشخصيّة: لا أظنّ الأغراض الشخصيّة تضرّ بحاضر العمل، و لكنّها قد تضرّ بمستقبله. و قد تفيد العمل أحياناً، فالعامل في عملٍ لكي يراه الناس أو ليكون قريباً من إحدى الزميلات مثلاً قد يحرص على أن يتقن العمل ليصل إلى مقصده. و ما أن يصل المُغرض إلى غرضه حتىّ يتوانى في العمل. هنا أقول أنّ العمل يجب ألاّ يكون موقوفاً على شخصٍ بعينه. و مَنْ مِنّا لا يعمل لأغراضٍ شخصيّةٍ؟ أليست الثقة بالنفس أو فرحة النجاح أو راحة الضمير كلّها في النهاية أغراضاً شخصيّةً؟ قد تبدو هذه النظرة غريبةً، لذلك أعطِها فرصتين للتفكير فيها قبل أن تحكم عليها، ذاكراً الحديث المشهور: ”إنمّا الأعمال بالنيّات و إنمّا لكلّ امرئ ما نوى …“ و الخلاصة هي: «العمل ذو التخطيط الجيّد لا يتأثّر بالأغراض الشخصيّة إلاّ إيجاباً.»‏

* تحرّي النقد: قد تجد الناس أحياناً متحاملين على عملٍ ما يبحثون عن عيوبه، لسببٍ أو آخر، متعلّقٍ بالعمل أو بالناقد نفسه. و جودة العمل قد تكون في بعض الأحيان دافعاً لتصرّفٍ كهذا. طبعاً لن يعجز الباحث عن استخراج العيوب، لكنّ نقداً كهذا ضرره أكبر من نفعه، لذا تجنّبْه. و يمكن للواثق من نفسه أن يميّز بسهولةٍ النقد المعتدل من النقد المتحامل.‏

* الفئات المتسلّطة‏: هنالك فئاتٌ من الناس قابلْتها في كلّ مجتمعٍ عشت فيه، و لكن لم أسمع أحداً جَرُؤَ على الحديث عنها. تلك الفئة التي تسيطر على المجتمع بصورةٍ خفيّةٍ: تصنّف الناس، تحدّد من هو الأفضل و من هو السيّئ، تستطيع أن تعزل أيّ شخصٍ اجتماعيّاً … الخ. أؤكد وجود هذه النوعيّة لمن لم يحسّ بوجودها. و رغم أنّ دراسة هذه الفئة قد تحتاج إلى إلمامٍ جيّدٍ بعلم النفس و الاجتماع، إلاّ أنّ التعامل معها قد لا يحتاج لأكثر من ذلك المبدأ الذي أعُدّه من أفضل ما تعلّمت: «لا تستجب للابتزاز مهما كان الثمن.» إذن لا يجب العمل على إرضاء هذه الفئة.‏

* فئةٌ أخرى هامّةٌ: هنالك بعض الناس أثّر عليهم توالي الإحباطات – أو أيّ شيءٍ غيره – فصاروا لا يحسّون بالناس و لا يتفاعلون مع المجتمع بصورةٍ سليمةٍ، رغم شعورهم الإيجابيّ تجاه المجتمع: قلبهم مع الناس، و قد يعملون على التوازي معهم، و لكن يتعسّر عملهم مع الناس و يتخلّله كثيرٌ من الأشياء التي يصعب فهمها. لا أنصح أبداً بإبعاد هذه الفئة عن العمل الجماعيّ، و لكنّني أنصح بالتعامل معها بحرصٍ آخذين في الاعتبار وضعهم هذا. و يمكن هنا استخدام مبدأ الميزانيّة: ”هل الفائدة من إشراكهم أكبر مما يبذل في التعامل معهم؟“ و قد ظننت أنّني أنتمي لهذه الفئة بالذات، لذلك أرجو أن تستغلّ الاستغلال الصحيح.‏

‏* «لن يوجد النشاط المطلوب إن لم يوجد النشاط أصلاً»: لا تسارع إلى انتقاد كلّ نشاطٍ قائمٍ بحجّة أنّه ’فارغ‘ أو غير مجدٍ أو لا يناسب من قام به أو لا يليق به. لا تهاجمْه إلاّ إن كان سيّئاً مطلقاً. ففي خمولٍ كالذي نعيشه قد يحدث التسلسل التالي: يظهر أيّ نوعٍ من النشاط، ثمّ يستحثّ نشاطاتٍ أخرى، ثمّ أخرى، و هكذا إلى أن يظهر النشاط المطلوب، و حينئذٍ يتبادل الناس فينتقل كلّ شخصٍ إلى خانته المناسبة. و حتىّ لو لم يتبادلوا فإنّ شخصاً من الأجيال القادمة سيهتدي الآن إلى خانته المناسبة بغير عناءٍ.‏

This entry was posted in Arabic, رؤى جديدة and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *