منطق غريب

أريد الآن أن أناقش بعض المنطق الغريب الذي يفكّر به الناس هنا كثيراً، و أن أدعو إلى تجنبّه و التخلّص منه:

* استغلال النفوذ: استغلال الشخص صلاحيّاته في غير ما خصّصت له سلوكٌ غير حميدٍ و مجافٍ للمدنيّة. لكن ليس هذا ما أتحدّث عنه، و إنّما أتحدّث عن الاستعانة بصلاحيّات من يوافقك من ذوي النفوذ ضدّ من لا يوافقك، مثل الاستعانة بإدارة الكلّيّة لوقف نشاطٍ ما في أسبوع الطلاّب و الاستعانة بمدير الجامعة لوقف نشاط الجبهة الديموقراطيّة في موقفٍ ما. من يفعل هذا يحقّق مكاسب وقتيّةً بسيطةً نظير خسائر كبيرةٍ في مقبل الزمان، فهو بذلك يرسّخ أدباً غير حميد هو تسلّط المسئولين خارج إطار صلاحيّاتهم. أما تذكّر أنّ الأيام دولٌ و أنّه غداً يأتي عليه الدور ليسلّطوا عليه رؤساءه؟ و لتذكر أنّ دولة الظلم و الفساد كثيراً ما تكون أطول من دولة الحقّ. فمن فعل هذا فلا يستغرب غداً حين تفكّر الإدارة في توحيد زيّ الطلاّب و غيره. على كلّ فهذا ليس هو منطقي في رفض هذا النوع من التصرّفات بل سيظهر لك في النقطة التالية.

* تأليه الرئيس: الكثير جدّاً ممّن قابلت يتعاملون مع الرئيس (أعني مفهوم الرئيس: خانة الرئيس أينما وُجدت) كأنّما هو إله يعرف كلّ شيءٍ و يصيب و لا يخطئ و لذلك يستحقّ صلاحيّاتٍ تكاد تكون مطلقةً. و هذا المنطق بالذات وجه قصورٍ و نقطة ضعفٍ في تفكير كثيرٍ من اليمينيين. أقول: «لا أرى الرئيس إلاّ موظّفاً له مسئوليّةٌ محدّدةٌ يعطى نظيرها صلاحيّاتٍ محدودةً.» و لتذكر الحديث: «كلّكم راع و كلّكم مسئولٌ عن رعيّته …»‏

* مفهوم ‏’الحكومة‘: كثيراً ما تسمع: ”الحكومة بتستفيد شنو؟“! حتىّ بدأت أشكّ أنّنا في بلدٍ ملكيٍّ. هكذا نفكّر مع كلّ أسف. أقول: «لا أرى الحكومة إلاّ نظاماً إداريّاً يشغله عددٌ من الموظّفين لكلٍّ منهم وظيفةٌ محدّدةٌ يعطى نظيرها صلاحيّاتٍ محدودةً و يتقاضى عليها راتباً محدّداً.» أذن فكلّ موارد البلد ملك الشعب، و يجب أن تدار (بواسطة الحكومة) لصالح هذا الشعب، حاضره و تاليه، و هذا ما يعرف بالصالح العامّ. و المهمّ ليس قوّة الدولة بين الدول، و لا عمران هذه الدولة، و إنّما سعادة و استقرار و أمن و سلامة شعب هذه الدولة؛ و إلاّ لكان فرعون أفضل حاكمٍ إذ كانت دولته قويّةً متينةً و عامرةً.

* اللجوء للقوة: هكذا يفكّر الناس في ليّ يد الشخص حتىّ يؤدّي عمله، و هو أسلوبٌ مجافٍ للمدنيّة و غير مأمون العواقب، إذ أنّ من تعوّد على المراقبة و الضغط لن يعمل إلاّ بهذه الطريقة. و مثلما كان الأفضل أن يعلّم الناس أبناءهم الاستيقاظ باكراً قناعةً منهم بفائدة ذلك بدلاً من أن يوقظوهم كلّ يوم، كذلك يمكن أن يتعلّم الطالب أن يقرأ قناعةً من نفسه لا لأجل الامتحان، و أن يتقن الشخص عمله من دافعٍ داخليٍّ لا خوفاً من الرقابة و المحاسبة. أضيف: و إذا كان الطلاّب لا يحضرون المحاضرات فهذه مشكلةٌ لابدّ من حلّها، و لكن استخدام قائمة الحضور لضبط الناس ليس حلاًّ للمشكلة أبداً و إنّما هو إخفاءٌ لأحد أعراضها؛ مثل استخدام الماء البارد لخفض حمّى الملاريا. و لنتّفق على هذه العبارة: «ليكن مطلبنا دائماً هو الحلّ الصحيح لا ’الحلّ‘ السهل.»‏

* من المؤسف أنّ الناس تغفر للمتعوّد على الخطأ (و إن كان مستهترا) أكثر ممّا تغفر للشخص الخيّر غير المتعوّد على الخطأ؛ فكأنّما كانوا ينتظرون في هذا الأخير فرصةً. بهذا الطريقة المؤسفة و المخزية يخسر الناس أخيارهم الأجدر بقيادة مجتمعهم. ما أتّمنّاه هو أن يعضّد الناس أخيارهم هؤلاء بالالتفاف حولهم محاولين الحفاظ عليهم كرموزٍ و أعلامٍ و وقايتهم من السقوط في الخطأ؛ فإن وقعوا في الخطأ قوّموهم بكلّ أدبٍ و احترامٍ بدلاً من إسقاطهم في أعينهم.

* من المؤسف كذلك أنّ الناس تذمّ صاحب الألف دينارٍ الذي ينفق ديناراً واحداً و ترميه بالبخل أكثر ممّا تذمّ مثيله الذي احتفظ بماله و لم ينفق منه شيئا. هذه هي الطريقة التي يعامل بها الناس فعلاً حسناً و لكنّه أقلّ ممّا توقّعوه كأنّما لو كان فعلاً سيّئا. يا للعجب!

* أيضا لاحظت أنّ الناس تذمّ من فشل في حلّ مشكلةٍ ما بدلاً من أن تذمّ من تسبّب في هذه المشكلة. هذا المنطق الغريب قوبلنا به بعد توقّف موسم الإبداع بسبب عرقلة إدارة الجامعة له. قيل لنا: بل فشلتم بسبب ضعفكم و اختلافكم. و أنا من هنا أريد أن أذكّر الناس بأنّنا خرجنا في الأصل لنقيم نشاطاً معيّناً هو موسم الإبداع، و بأنّ المشكلة التي واجهتنا ليست شيئاً هيّناً يحلّ في يومين (في الواقع تجاوزنا الكثير من المشاكل الهيّنة)، بل هي مشكلة النشاط القديمة التي فشل في حلّها كلّ أسلافنا.. طبعاً لو كانوا حلّوها لما واجهتنا نحن.

* التطوّع و التبرّع: إن لم يأت الفعل بمحض إرادة‏ و رغبة الشخص فلا يمكن أن نسمّيه تطوّعاً أو تبرّعاً؛ بل قل تسخيراً و غصباً. و إدارة شئون المتطوّعين و أمول المتبرّعين ينبغي أن تقوم بها جهةٌ غير تلك التي تدير شئون الموظّفين. من منطلق شبيهٍ بهذا كنت أقول أنّ مفهوم الخدمة الوطنيّة الإلزاميّة مفهومٌ فاسدٌ، و أنا على استعدادٍ لإقناع من لا يتّفق معي إن شاء الله. كذلك أقول أنّ الاعتماد على التبرّع مجازفةٌ، و لذلك فلا ينبغي أن تعتمد عليه الحكومة.

* الاعتراف بالواقع: من أكبر ما نعاني منه أنّنا نقيس الأمور على صورةٍ تصوّرناها في خيالنا و لا مكان لها إلاّ خيالنا. تذكّر دائماً أنّ ما أمامك هو الواقع كما هو لا كما تريده أنت .. طبعاً لو كان الواقع مطابقاً لما تريد فما عليك إلاّ أن تستلقي في سريرك و تنام هانئاً مطمئنّاً. إذن فلكي تكون واقعيّاً عليك الاعتراف و التسليم بأنّ الواقع حقيقةٌ موجودةٌ فعلاً – مهما بدا لك متناقضاً و خالياً من المنطق. و بدلاً من التذمّر و الاستغراب تعامل مع الواقع كنقطة انطلاقٍ تبدأ منها و تحاول أن تشكّل الدنيا لتؤول إلى الشكل الذي تريده في المستقبل. هذه هي رسالتك في الدنيا.

* الأيمان بالإرادة: هذا منطقٌ أصيلٌ لدى الشرقيّين يعتقدون أنّ الشخص بعزيمته و قوّة إرادته يستطيع أن يفعل أيّ شيءٍ. أريد أن أذكّر الجميع بأنّ هنالك شيءٌ اسمه الطاقة أو السعة، و بأنّه شيءٌ محدودٌ. أريد أن أذكّر أيضاً بأنّ الشغل يساوي صفراً إذا تعامدت القوّة مع اتّجاه الإزاحة المطلوبة؛ و لا أنسى تلك العبارة في كتاب الفيزياء في المرحلة الثانويّة: ”الشغل لا يعني التعب، فإذا دفعت الحائط بيدك فإنّك تتعب و لكنّك لا تبذل شغلاً،“ أو كما كانت تلك العبارة. و حتىّ لو كنت تستطيع أن تفعل الكثير بقوّة إرادتك فكثيراً ما تكون هناك بدائل أكثر يسراً من حيث الجهد و الوقت و الأعصاب و السلامة. أقول: الإرادة ليست شيئاً مضموناً يعتمد عليه في تخطيط نهجٍ علميٍّ، خاصّةً إرادة الآخرين. و أنا أرى أن يحلّ العقل جزئيّاً محلّ الإرادة و الشجاعة – على مستوى الفرد.

* الاهتمام بالمخصّصات: منطقٌ أصيلٌ لدينا أيضاً أن نجزل في مخصّصات من نرجو منه عملاً كبيراً، و هو مقترن بمنطق الإرادة المذكور، فكأنّما يظنّ الناس أنّ الشخص إذا كان سعيداً بالمال و الراحة كانت لديه إرادةٌ قويّةٌ فأدّى عملاً كبيراً. أقول: الأهمّ عندي من توفير المخصّصات توفير المعدّات و الصلاحيّات التي تعين الشخص على أداء عمله. طبعا ليس هنالك تضاربٌ بين الأسلوبين، لكنّني أتحدّث عن الأولويّة. و منطقي هنا مقترن بالمنطق المذكور في اللجوء إلى القوّة، و هو تربية الناس على أن يكونوا سعداء بعملهم يؤدّونه بإخلاصٍ من دافع أنفسهم.

* تخفيض المطالب: كثيراً ما يفكّر المسئول أنّه لو استجاب لمطالب مَن تحته فسيصبح الأمر فوضي و يأتيه كلّ يوم شخصٌ بمطالب جديدة. و هكذا يطالبهم بالتنازل عن بعض مطالبهم نظير إجابة بقيّة المطالب، أو يرفض مطالبهم جملةً حتىّ لو كانت عادلةً. و من المؤسف أنّ المرؤوسين صاروا يعملون هم أنفسهم بهذا المنطق منذ البداية فيتقدّمون بمطالبهم ناقصةً و مِلؤها التملّق و المراضاة. أقول: «تعوّد أن تقول مطلبك كاملاً كما تريده أنت لا كما تتوقّع أن يعطى لك.» (و قس عليه: «أجب في الامتحان بما تراه صحيحاً لا بما تتوقّع أن يعجب المصحّح.»). على كلٍّ فتجارب الناس أمامي تقول بأنّ التنازل و المراضاة لا يعطيان نتائج جيّدةً. و بالنسبة للمسئولين أكرّر أن مطلبنا هو الحلّ الصحيح و ليس الحلّ السهل، فالفوضى التي تتوقّعها مشكلةٌ يجب حلّها، و لكن ليس بهذه الطريقة.‏

This entry was posted in Arabic, رؤى جديدة and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *